سعد الدهمشي
07-06-2008, 06:30 PM
في موكب السلطان
من عادات العرب في السفر ، خصوصاً عرب نجد ، انهم يبكرون وغالباً يسرون . والسلطان عبد العزيز أبكر المبكرين دائماً واعجلهم تأهباً للرحيل . حتى أنه ليصلي الفجر احياناً اول وقت الصلاة كي لا يضطر الى الاناخة بعد ذلك قبل الضحى . هو نظام عسكري يتمشي عليه ، ولا بدع فالرجل قوي البنية ‘ شديد العصب ، يكفيه من النوم ، ساعتان ، ثم ربع ساعة للرحيل .
وها هنا غلبت . قد يكفيني ما يكفيه من النوم ، ولكني في يومي الثاني في البادية لا استطيع ما يستطيعه لا في التأهب ولا في الركوب . الا ان اعجوبة حدثت صباح ذلك اليوم فكان قد سبقنا الموكب الكبير ، موكب السلطان ، وسرت أنا والسيد هاشم في موكبنا الصغير تحت الركائب حتى لحقنا به بعد ساعة . وكان الشفق يتماوج وردياً وعصفراً على الاكام ‘ وعقال سلطان نجد الذهبي بادياً في رأس الموكب فوق كل الرؤوس . فاخترقت الصفوف ‘ احث ذلولي ‘ وانا معجب بمهارة في الركوب جاءتني دفعة واحدة ‘ فجأة ‘ كما يجيء الوحي الشعراء ... فاعتزلت ربعي وسرت مستقلاً ابغي ال جانب السلطان مكاناً . وفزت به فادهشته فقال اذ راني : ما ظنناك تنهض باكراً
صبحت ابن سعود اول مرة من على السنام في النفوذ . وسرت واياه نحدو في وجه الشمس بصف يتراوح عدده بين الخمس والخمس عشرة من الركائب يتبعه خمسة صفوف او خمسة عشرة اخر دون نظام في مثل هذه الحال . اننا في الطريق لا الى الغزو ايها القارئ بل الى مؤتمر سلم يعقد في البادية . لذلك كنت ترى البنادق معلقة بالرحال من الوراء والسيوف في اغمادها ثم في بيوت من الجلد تتمايل حولها اللفائف الحمراء والشراشيب الطويلة . وكل في رحله ملتف بعباءة السكينة والأطمئنان . أنه لموكب بهيج مهيب وكنت افضل السير في مؤخره لا ملاء النظر منه لولا رغبة اشد ‘ وواجب احب الي . السلطان عبد العزيز فصيح اللسان ‘ سريع الخاطر ) لطيف الجواب . وهو مثل امراء العرب كلهم يقدم السياسة في الحديث وتهمه عل الخصوص منها سياسة اوروبا في الشرق الادنى . على انه شاء صباح ذاك اليوم ان يكون الموضوع : اميركا وسياستها مع الأحلاف .
سألني السبب في سقوط الرئيس ولسون فاعملته بطرق الانتخابات هناك وما للاحزاب الساسية من السيطرة على الحكومة وعلى البلاد .
ـــ عجيب ألا يسوقهم الشقاق الى الحروب ؟
ـــ يحلون مشاكلهم السياسية بالاقتراع .
ـــ زين . وكم حزباً عندهم ؟ .
ـــ الرئيسية اثنان والثانوية كثيرة .
ـــ زين . وكيف يرضي الحزب المنتصر بقية الاحزاب ؟
ـــ الاقلية تخضع دائماً يامولاي لحكم الاكثرية .
ـــ وكيف سقط ولسون اذاً وهوا لحاكم والأكثرية مع الحاكم .
ـــ لم تكن معه في الانتخاب الاخيره فقد هجره من انصاره كثيرون أنقلبوا وأقترعوا عليه.
فهز السلطان عصاه يربت بها رقبة الذلول وقال : لا اظنهم احسنوا . لان ولسون رجل عظيم ‘ وله الفضل الاكبر في تنبيه الشعوب الصغيرة المظلومة . استنهضهم ولسون الى الحرية والاستقلال . وهو ايضاً عرفنا باميركا . ما كنا نعرفها قبل ولسون . اما اليوم وقد تكلم بلسانها فله فضل عليها كما ان فضلها على العالم .... انا احترم اميركا ‘ ياحضرة الاستاذ ‘ وان كانت سياستها الان مع الاحلاف غير سياسة ولسون ... واميركا ام الشعوب الضعيفة . ونحن العرب منهم . والعاقل يكفيه التنبيه والاشارة ... انا احسن اليك (( ومال بوجهه اذ ذاك الى من كان في الجانب الخر منه )) أفتبغي كذلك ان اطعمك بيدي ‘ ان اضع اللقمة في فمك ؟ يكفي ما عملته اميركا ‘ ما قالته للشعوب الصغيرة المظلومة ‘ ما قاله ولسون عنها والعاقل من سعى وانتفع .
اما اوروبا فللسلطان عبد العزيز رأي فيها أفصح عنه بكلمة بليغة وجيزة اذ قال : اشبه اوروبا اليوم بباب حديد كبير ولكن لاشي داخل الباب . وهو لذلك لا يلوم اميركا على اعنزالها الاحلاف وانسحابها من السياسية الاوروبية . ثم قال مخاطباً احد رجاله : ان مشاركة امريكا واوربا اليوم مثل مشاركتي انا ابن سعود وبادية الشام ,. ترى الصحيح ....فهز الرجل رأسه استحساناً .
صعدنا الى اكمة فسيحة مستديرة بين العلاة وام الذر اختارها السلطان مناخاً فانحنا وتفرقنا ارهاطاً كل رهط جلس في حلقة على الرمل . وكان وقت الضحى أي ساعة الفطور فطاف الخدم بجفان مماكان قد طبخ الليلة البارحة من الارز واللحم ‘ ثم قدموا التمر وصبوا اللبن من القرب لمن اراد فاكلنا وغسلنا ايدينا وكان قد اتم السلطان عمله مثلنا فسمعناه ينادي من مكانه : انجيئكم او تجيئوننا ؟ فبادرنا اليه فتصافحنا ثم عرفني ببعض حاشيته اذكر منهم اخاه محمداً وعبد الله بن متعب امير حايل الاخير وعمه فيصل بن الرشيد ‘
فوقفوا صفاً امامي بعد المصحافة والتسليم دون ان يفوه احدهم بكلمة . ثم ‘ باشارة من السلطان ‘ انصرفوا . فجلس اذ ذاك سموه على الرمل وقال : تفضل يا استاذ ‘ هذه احسن سجادة عندنا .
يقينا هي كذلك . فاي فرش انعم من رمل النفوذ وانظف ؟ واية سجادة اجمل لوناً وأعجب صنعاً ؟ . جلسنا متربعين على افخر الطنافس في مجلس الله . وكان السلطان فينا اجملنا اتضاعاً وافصحنا في لغة الحكمة والورع لساناً : (( حنا )) اهل نجد نبغي المحافظة قبل كل شيء على امرين ‘ ديننا وشرفنا .
استأنفنا السير وانحنا بعد ساعتين عند ام الذر التي كانت مراحنا ذاك اليوم . فسرحت الابل ‘ ونصبن الخيام ‘ فكان فسطاط السلطان عل رأس الاكمة والمضارب حوله متفرقة متنوعة ‘ منها الخيم الاوروبية ‘ ومنها بيوت من الشعر كبيرة وصغيرة . ثم حفرت الحفر وشبت فيها النار ‘ واخرجت المعاميل ‘ وبعد قليل شرع السقاة يطوفون بالاباريق والفناجين وجاء عبد يدعوني الى مجلس السلطان فشربت القهوة هناك وبقيت وسموه ساعة كان الانكليز فيها موضوع الحديث .
عدت الى خيمتي وبي شيء من التعب والنعاس ‘ فوجدت فيها جيشاً من الذباب استحال علي طرده والتغلب عليه . ما رأيت حياتي اثقل واقبح من الذباب في البادية ‘ في صحراء الرمل ‘ في تلك الجنة التي جردها الله من كل شيء سوى السكينة والهواء الطيب ‘ فجاء الذباب يفسدهما عليك . ومن اين يجيء ؟ هو يركب الذلول واياك . على ظهره ‘ وعل ظهرك ‘ وعل رأسك ‘ يرافقك مخاوياً ‘ فيسبقك الى الخيمة ويذبح فيك ما تبقى من أمل بالحياة.
ثم يحي الله سبحانه الامل عند الغروب . فيخرج الناس من الخيام ملبين دعوة المؤذن ويصطفون وراء الامام ‘ والسلطان في وسط الجماعة وأحد الحجاب . وراءه يحمل السيف ولا يشترك في الصلاة . وكانت اول مرة سمعت الوهابيين يصلون وهم يرنمون بعد تلاوة الفاتحة : أمين ‘ فتجي شبيهة بصلاة المسيحيين . غير المغضوب عليهم ولا الضالين . واذ ذاك يصعد من الصفوف صوت مئتين من المصلين يرنم ترنيماً : أمين صوت يتراجع في الفضاء المهيب كصوت الاجراس في الجبال ساعة الغروب ‘ في تلك الساعة التي تبشر بقدوم الليل وبركاته . واصوات المصلين ‘ يذكرون الله رب العالمين ـــ اهدنا الصراط المستقيم ! فمن لا يشترك في مثل هذه الصلاة خصوصاً في البادية ؟ . انها لطلبة تصح حقيقة كما صحت مجازاً في تلك الفيافي والمفازات . أي بالله . ان كل من سار حادياً في بحر المال ، في ارض تهب فوقها الرياح فتمحو نظرة كل اثر فيها من أثار البشر والحيوان ‘ ليبغي الصراط المستقيم واننا لنهلك يقينا اذا ضللناها .
في صباح اليوم التالي جاء نجاب من العقير يحمل البريد الذي يتبع السلطان الى حيث يكون ‘ وفي خبر من البحرين بسفر المندوب السامي اليها . فدفع الكتاب الى اخيه ثم الى بعض حاشيته فتناوبوا قراءته وكل يهمس ان الخبر اغضب السلطان .
سار الموكب والسكوت يظلله والمهابة تماشيه ‘ فما كانت تسمع غير صرير الرحال وطق الخيزران على رقاب الركائب . ثم رفع احد الركب صوته يتلو شيئاً من القرأن ‘ وكلنا نحدو في وجه الشمس ساكتين خاشعين ‘ وتحدو تحتنا الابل عل نغم الأيات . وبعد قليل ساد الكوت ثانية وقد تجسم في غضب الشيوخ . ثم تكلم فاعملنا بما أغضبه صباح ذاك اليوم .
ان المندوب السامي على يظهر قد اصطحب رجلاً غير مرغوب فيه . رجلاً من العرب الناقم عليهم ابن سعود وهو فهد الهذال شيخ العمارات في الشمال ‘ والعمارات فخذ من عنزه . ويظهر ان لادخل لفهد في السياسة والمصالح التي سيعقد مؤتمر العقير من اجلها . ولكن الانكليز قصداً باصطحابه كما ظن السلطان وقد جاءوا يحققون هذا القصد على حساب ابن سعود . وقد يكون لفهد الهذال كذلك قصد جاء يحققه على حساب الانكليز . فرفع رجل نجد صوته في تلك الارجاء الرملية ‘ وهو على ذلوله ) والخيزران بيده ‘ يسير في رأس الموكب ‘ بين اثنين من رجاله .
ـــ لا لا هذا ما يصير . لا نتنازل عن شيء من حقوق اجدادنا : اما اذا قال الانكلايز نبغي هذا منك وجاؤوني بامر مختوم فانا ابن سعود اسلم لهم . ولكن في اول فرصة تسنح اسعى لا سترجاع حقوقي المهضومة . ترى الصحيح . وماذا يبغون لأبن هذال ؟ وماذا يبغي أبن الهذال منا؟ دعهم يغزلون فأننا لانتحول عن جادة الحق ‘ ولانعمل عملاً فيه ظلمة او غموض . ولا نطلب غير حقوقنا ولانخاف غير الله .. ومن هو ابن الهذال ليجرأ علينا ؟ ابن الهذال الغزال ‘ ليغزل وعشائره ماشاؤوا . وليغزل (( الانكلايز )) من اجلهم . وكان يرفق هذه الاستعارة بحركة من سبابته لطيفة . انا ابن السعود لا اعرف غير الجادة القويمة ولا اقول غير الحق . لست من الغزالين . اما الانكلايز فهم اصدقائي وانا صديقهم . اذا قالوا : نبغي هذا منك ‘ قلت : لكم ما تشاؤون . ولكن ـــ ولكن الصبر له حدود ويظهر اننا قربنا منها ذا الحين ، ترى الصحيح . الا لا يجهلن احد علينا ...فنجهل فوق جهل الجاهلينا .
المصدر:ملوك العرب .. لأمين الريحاني/ 1924
من عادات العرب في السفر ، خصوصاً عرب نجد ، انهم يبكرون وغالباً يسرون . والسلطان عبد العزيز أبكر المبكرين دائماً واعجلهم تأهباً للرحيل . حتى أنه ليصلي الفجر احياناً اول وقت الصلاة كي لا يضطر الى الاناخة بعد ذلك قبل الضحى . هو نظام عسكري يتمشي عليه ، ولا بدع فالرجل قوي البنية ‘ شديد العصب ، يكفيه من النوم ، ساعتان ، ثم ربع ساعة للرحيل .
وها هنا غلبت . قد يكفيني ما يكفيه من النوم ، ولكني في يومي الثاني في البادية لا استطيع ما يستطيعه لا في التأهب ولا في الركوب . الا ان اعجوبة حدثت صباح ذلك اليوم فكان قد سبقنا الموكب الكبير ، موكب السلطان ، وسرت أنا والسيد هاشم في موكبنا الصغير تحت الركائب حتى لحقنا به بعد ساعة . وكان الشفق يتماوج وردياً وعصفراً على الاكام ‘ وعقال سلطان نجد الذهبي بادياً في رأس الموكب فوق كل الرؤوس . فاخترقت الصفوف ‘ احث ذلولي ‘ وانا معجب بمهارة في الركوب جاءتني دفعة واحدة ‘ فجأة ‘ كما يجيء الوحي الشعراء ... فاعتزلت ربعي وسرت مستقلاً ابغي ال جانب السلطان مكاناً . وفزت به فادهشته فقال اذ راني : ما ظنناك تنهض باكراً
صبحت ابن سعود اول مرة من على السنام في النفوذ . وسرت واياه نحدو في وجه الشمس بصف يتراوح عدده بين الخمس والخمس عشرة من الركائب يتبعه خمسة صفوف او خمسة عشرة اخر دون نظام في مثل هذه الحال . اننا في الطريق لا الى الغزو ايها القارئ بل الى مؤتمر سلم يعقد في البادية . لذلك كنت ترى البنادق معلقة بالرحال من الوراء والسيوف في اغمادها ثم في بيوت من الجلد تتمايل حولها اللفائف الحمراء والشراشيب الطويلة . وكل في رحله ملتف بعباءة السكينة والأطمئنان . أنه لموكب بهيج مهيب وكنت افضل السير في مؤخره لا ملاء النظر منه لولا رغبة اشد ‘ وواجب احب الي . السلطان عبد العزيز فصيح اللسان ‘ سريع الخاطر ) لطيف الجواب . وهو مثل امراء العرب كلهم يقدم السياسة في الحديث وتهمه عل الخصوص منها سياسة اوروبا في الشرق الادنى . على انه شاء صباح ذاك اليوم ان يكون الموضوع : اميركا وسياستها مع الأحلاف .
سألني السبب في سقوط الرئيس ولسون فاعملته بطرق الانتخابات هناك وما للاحزاب الساسية من السيطرة على الحكومة وعلى البلاد .
ـــ عجيب ألا يسوقهم الشقاق الى الحروب ؟
ـــ يحلون مشاكلهم السياسية بالاقتراع .
ـــ زين . وكم حزباً عندهم ؟ .
ـــ الرئيسية اثنان والثانوية كثيرة .
ـــ زين . وكيف يرضي الحزب المنتصر بقية الاحزاب ؟
ـــ الاقلية تخضع دائماً يامولاي لحكم الاكثرية .
ـــ وكيف سقط ولسون اذاً وهوا لحاكم والأكثرية مع الحاكم .
ـــ لم تكن معه في الانتخاب الاخيره فقد هجره من انصاره كثيرون أنقلبوا وأقترعوا عليه.
فهز السلطان عصاه يربت بها رقبة الذلول وقال : لا اظنهم احسنوا . لان ولسون رجل عظيم ‘ وله الفضل الاكبر في تنبيه الشعوب الصغيرة المظلومة . استنهضهم ولسون الى الحرية والاستقلال . وهو ايضاً عرفنا باميركا . ما كنا نعرفها قبل ولسون . اما اليوم وقد تكلم بلسانها فله فضل عليها كما ان فضلها على العالم .... انا احترم اميركا ‘ ياحضرة الاستاذ ‘ وان كانت سياستها الان مع الاحلاف غير سياسة ولسون ... واميركا ام الشعوب الضعيفة . ونحن العرب منهم . والعاقل يكفيه التنبيه والاشارة ... انا احسن اليك (( ومال بوجهه اذ ذاك الى من كان في الجانب الخر منه )) أفتبغي كذلك ان اطعمك بيدي ‘ ان اضع اللقمة في فمك ؟ يكفي ما عملته اميركا ‘ ما قالته للشعوب الصغيرة المظلومة ‘ ما قاله ولسون عنها والعاقل من سعى وانتفع .
اما اوروبا فللسلطان عبد العزيز رأي فيها أفصح عنه بكلمة بليغة وجيزة اذ قال : اشبه اوروبا اليوم بباب حديد كبير ولكن لاشي داخل الباب . وهو لذلك لا يلوم اميركا على اعنزالها الاحلاف وانسحابها من السياسية الاوروبية . ثم قال مخاطباً احد رجاله : ان مشاركة امريكا واوربا اليوم مثل مشاركتي انا ابن سعود وبادية الشام ,. ترى الصحيح ....فهز الرجل رأسه استحساناً .
صعدنا الى اكمة فسيحة مستديرة بين العلاة وام الذر اختارها السلطان مناخاً فانحنا وتفرقنا ارهاطاً كل رهط جلس في حلقة على الرمل . وكان وقت الضحى أي ساعة الفطور فطاف الخدم بجفان مماكان قد طبخ الليلة البارحة من الارز واللحم ‘ ثم قدموا التمر وصبوا اللبن من القرب لمن اراد فاكلنا وغسلنا ايدينا وكان قد اتم السلطان عمله مثلنا فسمعناه ينادي من مكانه : انجيئكم او تجيئوننا ؟ فبادرنا اليه فتصافحنا ثم عرفني ببعض حاشيته اذكر منهم اخاه محمداً وعبد الله بن متعب امير حايل الاخير وعمه فيصل بن الرشيد ‘
فوقفوا صفاً امامي بعد المصحافة والتسليم دون ان يفوه احدهم بكلمة . ثم ‘ باشارة من السلطان ‘ انصرفوا . فجلس اذ ذاك سموه على الرمل وقال : تفضل يا استاذ ‘ هذه احسن سجادة عندنا .
يقينا هي كذلك . فاي فرش انعم من رمل النفوذ وانظف ؟ واية سجادة اجمل لوناً وأعجب صنعاً ؟ . جلسنا متربعين على افخر الطنافس في مجلس الله . وكان السلطان فينا اجملنا اتضاعاً وافصحنا في لغة الحكمة والورع لساناً : (( حنا )) اهل نجد نبغي المحافظة قبل كل شيء على امرين ‘ ديننا وشرفنا .
استأنفنا السير وانحنا بعد ساعتين عند ام الذر التي كانت مراحنا ذاك اليوم . فسرحت الابل ‘ ونصبن الخيام ‘ فكان فسطاط السلطان عل رأس الاكمة والمضارب حوله متفرقة متنوعة ‘ منها الخيم الاوروبية ‘ ومنها بيوت من الشعر كبيرة وصغيرة . ثم حفرت الحفر وشبت فيها النار ‘ واخرجت المعاميل ‘ وبعد قليل شرع السقاة يطوفون بالاباريق والفناجين وجاء عبد يدعوني الى مجلس السلطان فشربت القهوة هناك وبقيت وسموه ساعة كان الانكليز فيها موضوع الحديث .
عدت الى خيمتي وبي شيء من التعب والنعاس ‘ فوجدت فيها جيشاً من الذباب استحال علي طرده والتغلب عليه . ما رأيت حياتي اثقل واقبح من الذباب في البادية ‘ في صحراء الرمل ‘ في تلك الجنة التي جردها الله من كل شيء سوى السكينة والهواء الطيب ‘ فجاء الذباب يفسدهما عليك . ومن اين يجيء ؟ هو يركب الذلول واياك . على ظهره ‘ وعل ظهرك ‘ وعل رأسك ‘ يرافقك مخاوياً ‘ فيسبقك الى الخيمة ويذبح فيك ما تبقى من أمل بالحياة.
ثم يحي الله سبحانه الامل عند الغروب . فيخرج الناس من الخيام ملبين دعوة المؤذن ويصطفون وراء الامام ‘ والسلطان في وسط الجماعة وأحد الحجاب . وراءه يحمل السيف ولا يشترك في الصلاة . وكانت اول مرة سمعت الوهابيين يصلون وهم يرنمون بعد تلاوة الفاتحة : أمين ‘ فتجي شبيهة بصلاة المسيحيين . غير المغضوب عليهم ولا الضالين . واذ ذاك يصعد من الصفوف صوت مئتين من المصلين يرنم ترنيماً : أمين صوت يتراجع في الفضاء المهيب كصوت الاجراس في الجبال ساعة الغروب ‘ في تلك الساعة التي تبشر بقدوم الليل وبركاته . واصوات المصلين ‘ يذكرون الله رب العالمين ـــ اهدنا الصراط المستقيم ! فمن لا يشترك في مثل هذه الصلاة خصوصاً في البادية ؟ . انها لطلبة تصح حقيقة كما صحت مجازاً في تلك الفيافي والمفازات . أي بالله . ان كل من سار حادياً في بحر المال ، في ارض تهب فوقها الرياح فتمحو نظرة كل اثر فيها من أثار البشر والحيوان ‘ ليبغي الصراط المستقيم واننا لنهلك يقينا اذا ضللناها .
في صباح اليوم التالي جاء نجاب من العقير يحمل البريد الذي يتبع السلطان الى حيث يكون ‘ وفي خبر من البحرين بسفر المندوب السامي اليها . فدفع الكتاب الى اخيه ثم الى بعض حاشيته فتناوبوا قراءته وكل يهمس ان الخبر اغضب السلطان .
سار الموكب والسكوت يظلله والمهابة تماشيه ‘ فما كانت تسمع غير صرير الرحال وطق الخيزران على رقاب الركائب . ثم رفع احد الركب صوته يتلو شيئاً من القرأن ‘ وكلنا نحدو في وجه الشمس ساكتين خاشعين ‘ وتحدو تحتنا الابل عل نغم الأيات . وبعد قليل ساد الكوت ثانية وقد تجسم في غضب الشيوخ . ثم تكلم فاعملنا بما أغضبه صباح ذاك اليوم .
ان المندوب السامي على يظهر قد اصطحب رجلاً غير مرغوب فيه . رجلاً من العرب الناقم عليهم ابن سعود وهو فهد الهذال شيخ العمارات في الشمال ‘ والعمارات فخذ من عنزه . ويظهر ان لادخل لفهد في السياسة والمصالح التي سيعقد مؤتمر العقير من اجلها . ولكن الانكليز قصداً باصطحابه كما ظن السلطان وقد جاءوا يحققون هذا القصد على حساب ابن سعود . وقد يكون لفهد الهذال كذلك قصد جاء يحققه على حساب الانكليز . فرفع رجل نجد صوته في تلك الارجاء الرملية ‘ وهو على ذلوله ) والخيزران بيده ‘ يسير في رأس الموكب ‘ بين اثنين من رجاله .
ـــ لا لا هذا ما يصير . لا نتنازل عن شيء من حقوق اجدادنا : اما اذا قال الانكلايز نبغي هذا منك وجاؤوني بامر مختوم فانا ابن سعود اسلم لهم . ولكن في اول فرصة تسنح اسعى لا سترجاع حقوقي المهضومة . ترى الصحيح . وماذا يبغون لأبن هذال ؟ وماذا يبغي أبن الهذال منا؟ دعهم يغزلون فأننا لانتحول عن جادة الحق ‘ ولانعمل عملاً فيه ظلمة او غموض . ولا نطلب غير حقوقنا ولانخاف غير الله .. ومن هو ابن الهذال ليجرأ علينا ؟ ابن الهذال الغزال ‘ ليغزل وعشائره ماشاؤوا . وليغزل (( الانكلايز )) من اجلهم . وكان يرفق هذه الاستعارة بحركة من سبابته لطيفة . انا ابن السعود لا اعرف غير الجادة القويمة ولا اقول غير الحق . لست من الغزالين . اما الانكلايز فهم اصدقائي وانا صديقهم . اذا قالوا : نبغي هذا منك ‘ قلت : لكم ما تشاؤون . ولكن ـــ ولكن الصبر له حدود ويظهر اننا قربنا منها ذا الحين ، ترى الصحيح . الا لا يجهلن احد علينا ...فنجهل فوق جهل الجاهلينا .
المصدر:ملوك العرب .. لأمين الريحاني/ 1924